أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

447

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

فاعِلٌ » ، لأنه لو قال : إني فاعل كذا إلّا أن يشاء اللّه » ، كان معناه : إلّا أن تعترض مشيئة اللّه دون فعله ، وذلك ما لا يدخل فيه النهي » . قلت : يعني أن النهي عن مثل هذا المعنى لا يحسن . ثم قال : وتعلقه بالنهي من وجهين : أحدهما : ولا تقولن ذلك القول إلّا أن يشاء اللّه أن تقوله ، بأن يأذن لك فيه . والثاني : ولا تقولنه إلّا بأن يشاء اللّه ، أي : إلّا بمشيئته . وهو في موضع الحال ، أي : ملتبسا بمشيئة اللّه قائلا : إن شاء اللّه ، وفيه وجه . الثالث : وهو أن يكون « إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » في معنى كلمة تأبيد ، كأنه قيل : ولا تقولنه أبدا ، ونحوه : وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا « 1 » ، لأن عودهم في ملتهم مما لن يشاء اللّه . وهذا الذي ذكره الزمخشري . قد ردّه ابن عطية بعد أن حكاه عن الطبري وغيره ، ولم يوضح وجه الفساد . وقال الشيخ « 2 » : « و « إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » استثناء لا يمكن حمله على ظاهره ، لأنه يكون داخلا تحت القول ، فيكون من المقول ، ولا ينهاه اللّه أن يقول : « إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » ، لأنه كلام صحيح في نفسه لا يمكن أن ينهى عنه ، فاحتج في تأويل هذا الظاهر إلى تقدير ، فقال ابن عطية : « في الكلام حذف يقتضيه الظاهر ويحسنه الإيجاز ، تقديره : إلّا أن تقول إلّا أن يشاء اللّه ، أو إلّا أن تقول إن شاء اللّه ، والمعنى : إلّا أن تذكر مشيئة اللّه فليس « إلّا أن يشاء اللّه من المقول الذي نهى عنه » . قوله : ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ . قرأ الأخوان بإضافة « مائة » إلى « سنين » ، والباقون بتنوين « مِائَةٍ » فأما الأولى فأوقع فيها الجمع موقع المفرد ، كقوله : « بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا » قاله الزمخشري . يعني أوقع « أَعْمالًا » موقع « عملا » وقد أنحى أبو حاتم على هذه القراءة ، ولا يلتفت إليه . وفي مصحف عبد اللّه : « سنة » بالإفراد ، وبها قرأ أبيّ ، وقرأ الضحاك « سنون » بالواو على أنها خبر مبتدأ مضمر ، أي : هي سنون ، وأما الباقون : فلما رأوا إضافة « مِائَةٍ » إلى جمع : نوّنوا ، وجعلوا « سِنِينَ » بدلا من « ثَلاثَ مِائَةٍ » ، أو عطف بيان . ونقل أبو البقاء : « أنه بدل من « مِائَةٍ » ، لأنها في معنى الجمع . ولا جائز أن يكون « سِنِينَ » في هذه القراءة مميزا ، لأن ذلك إنما يجيء في ضرورة ، مع إفراد التمييز كقول الشاعر : 3172 - إذا عاش الفتى مائتين عاما * فقد ذهب اللّذاذة والفتاء « 3 » قوله : تِسْعاً أي : تسع سنين ، حذف المميز ، لدلالة ما تقدم عليه ، إذ لا يقال : « عندي ثلاثمائة درهم وتسعة » إلّا وأنت تعني : تسعة دراهم ، ولو أردت ثيابا لم يجز ، لأنه ألغاز . و « تِسْعاً » مفعول به ، وازداد : افتعل ، أبدلت التاء دالا بعد الزاي ، وكان متعديا ل « اثنين » نحو : زِدْناهُمْ هُدىً ، فلمّا بني على الافتعال نقص واحدا ، وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية : « تسعا » ، بفتح التاء ك « عشر » .

--> ( 1 ) سورة الأعراف آية ، ( 7 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 115 ) . ( 3 ) البيت نسبه سيبويه ( 1 / 208 ) ، للربيع بن ضبع ونسبه في موقع آخر ( 2 / 162 ) ، ليزيد بن ضبة وانظر المقتضب ( 2 / 166 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 6 / 21 ) ، الهمع ( 1 / 253 ) ، التصريح ( 2 / 273 ) ، الدرر ( 1 / 210 ) ، الخزانة ( 7 / 370 ) .